تخطي إلى المحتوى
العودة إلى المقالات

مامدى أهمية الشخصية في التفاوض

ما مدى أهمية الشخصية في التفاوض؟ ما الذي نعرفه عن أفضل شخصية في التفاوض، وكيف تؤثر سمات الشخصية الخمس الكبرى في أداء المفاوضين؟ غالباً ما تكون لدينا تصورات قوية

مامدى أهمية الشخصية في التفاوض

ما مدى أهمية الشخصية في التفاوض؟


ما الذي نعرفه عن أفضل شخصية في التفاوض، وكيف تؤثر سمات الشخصية الخمس الكبرى في أداء المفاوضين؟ غالباً ما تكون لدينا تصورات قوية حول السمات الشخصية التي تجعل شخصاً ما مفاوضاً فعالاً ،والسمات التي قد تعيق أداءه. فعلى سبيل المثال، يعتقد كثير من الناس أن الأشخاص المنفتحين بطبيعتهم يتمتعون بميزة طبيعية على طاولة التفاوض، أو عندما يكون الشخص متعاوناً جداً يؤدي دائماً إلى نتائج أفضل. لكن هل تصمد هذه الافتراضات أمام الفحص الدقيق؟ وهل تحدد الشخصية فعلاً نتائج التفاوض، أم أن عوامل أخرى مثل التحضير والاستراتيجية والذكاء العاطفي تلعب دوراً أكبر؟ تقدم الأبحاث بعض الرؤى المثيرة حول كيفية تأثير الشخصية في ديناميكيات التفاوض ونتائجه.


قبل استكشاف هذا الموضوع، حاول الإجابة بـ “صحيح” أو “خطأ” على الأسئلة التالية:


1. يميل المفاوضون المنفتحون إلى تحقيق أداء أفضل من المفاوضين الانطوائيين.

2. يكون المفاوضون المتعاونون عادة أكثر نجاحاً من غير المتعاونين.

3. سمة الضمير الحي أهم من غيرها من سمات الشخصية في التفاوض.

4. المفاوضون القلقون أو المكتئبون أو كثيرو القلق يحققون أداءً أضعف على طاولة التفاوض.

5. الشخصية الإبداعية في التفاوض يمكن أن تقودك إلى نجاح كبير.


السمات الخمس الكبرى للشخصية:


-عند دراسة الشخصية في التفاوض، يركز علماء النفس عادة على خمسة عوامل رئيسية يُعتقد أنها تشمل معظم سمات الشخصية البشرية: الانبساط، والتوافق، والضمير الحي، والعصابية، والانفتاح. وقد قام البروفيسور بول تي. كوستا الابن من جامعة جونز هوبكنز وروبرت آر. ماكراي من المعهد الوطني للشيخوخة بتحليل وتأكيد هذه العوامل الخمسة في تسعينيات القرن الماضي. ويمكن النظر إلى كل عامل باعتباره طيفاً يقع عليه الأفراد بدرجات مختلفة من الانطواء الشديد إلى الانبساط الشديد مثلاً.

-يركز الباحثون في التفاوض عادة على تحديد القواسم المشتركة بين المفاوضين مثل قابلية الجميع للتأثر بتأثير الارتساء ، بدلاً من دراسة الاختلافات الفردية بينهم. وفي فصل من كتاب Handbook of Research on Negotiation، استعرضت الأستاذة هيلاري أنجر إلفنباين من جامعة واشنطن، وهي من أبرز الباحثين في الفروق الفردية في التفاوض، ما نعرفه عن تأثير السمات الخمس الكبرى في التفاوض.


أولاً: الانبساط


-يشير الانبساط إلى مدى اجتماعية الشخص وحزمه وكثرة حديثه وتفاؤله. فالأشخاص الذين يسجلون درجات عالية في الانبساط يميلون إلى تكوين أفكارهم وآرائهم من خلال التفاعل مع الآخرين. وهم يزدهرون في البيئات الجماعية ويكونون شديدي الاستجابة لمشاعر الآخرين. وعلى الطرف الآخر من الطيف، يميل الانطوائيون إلى الهدوء وتفضيل العمل والتفكير بمفردهم. ورغم أن الخجل أكثر شيوعاً بين الانطوائيين، إلّا أنّهم قد يكونون واثقين ومهرة في التحدث أمام الجمهور.

-بناءً على هذه الأوصاف، قد نفترض أن أفضل المفاوضين هم الأشخاص المنفتحون. فالتفاؤل والحزم والشخصية الحيوية الودودة كلها صفات نعلم من التجربة أنها يمكن أن تكون أصولاً قويةً في التفاوض، إذ تساعد صانعي الصفقات على بناء الجسور وفهم مصالح الآخرين والدفاع عن مصالحهم بشكل مقنع.


-لكن في تجربة أجريت عام 1998، وجد الأستاذان بروس باري وريموند فريدمان من جامعة فاندربيلت أن الأشخاص المنفتحين حققوا نتائج أقل من الانطوائيين في محاكاة تفاوض توزيعي كان يتركز على قضية واحدة هي السعر. فقد بدا أن المنفتحين كانوا أكثر تأثراً من الانطوائيين بالعرض الأول الذي قدمه الطرف الآخر، وهو نقص عوضوه جزئياً فقط لاحقاً في التفاوض. أما في محاكاة تفاوض تكاملي يتضمن عدة قضايا، حيث يمكن للمشاركين التعاون والتنافس في الوقت نفسه، فقد كان أداء الانطوائيين والمنفتحين متشابهاً. وبالتالي، بناءً على هذه الدراسة، فإن الإجابة عن السؤال الأول هي “خطأ”: لا يوجد دليل على أن المنفتحين يتفوقون على الانطوائيين في التفاوض.


-في الواقع، كما ذُكر في عدد نوفمبر 2014، تقدم الكاتبة سوزان كين وهي مستشارة تفاوض سابقة حُجَّةً قوية في كتابها الشهير Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking بأن الانطوائيين يجلبون مهارات قيّمة إلى طاولة التفاوض. فمثلاً، قد يستفيد المنفتحون من تبني ميل الانطوائيين إلى الاستماع بعناية لما يقوله الآخرون واستيعابه. كما أن الانطوائيين، ولأنهم يفضلون عادة التفكير في القرارات المهمّة بشكل منفرد، قد يكونون أقل عرضة لاتخاذ قرارات جماعية متسرعة وغير مدروسة.


ثانياً:التوافق


-التوافق هو سمة شخصية تشمل اللطف والمرونة والتعاطف والثقة والتعاون والتسامح. وتبدو هذه الصفات مفيدة في التفاوض، خصوصاً المرونة والتعاون. لكن هل يمكن أن يتحول التوافق إلى نقطة ضعف إذا أدى الاهتمام بالآخرين إلى منع الشخص من الدفاع عن مصالحه بحزم؟

 

-وجدت معظم دراسات التفاوض، بما في ذلك دراسة باري وفريدمان، أن التوافق يرتبط بنتائج أقل قليلاً في المفاوضات التوزيعية، ربما بسبب الاهتمامات الاجتماعية لدى الأشخاص المتوافقين، وفقاً لإلفنباين. ومع ذلك، لم يظهر للتوافق تأثير في النتائج في المفاوضات التكاملية التي يمكن للأطراف فيها العمل معاً لخلق قيمة مشتركة. لذلك يبدو أن الإجابة عن السؤال الثاني أيضاً هي “خطأ”، وفقاً للمعرفة الحالية.


-لننظر الآن إلى سمة قد تُعد نسخة متطرفة من التوافق، وهي ما يسمى بالتوجه الاجتماعي المفرط، أي ميل بعض الأشخاص إلى بناء تقديرهم لذاتهم على كيفية رؤية الآخرين لهم ومعاملتهم. ففي إحدى الدراسات، وجدت الأستاذة إيميلي أمانات الله من جامعة تكساس وزملاؤها أن الأفراد الذين سجلوا درجات عالية في هذه السمة أدوا أداءً جيداً مثل غيرهم في مفاوضات توزيعية لمرة واحدة مع شخص غريب. لكن عندما شاركوا في مفاوضات تكاملية، حقق الأزواج الذين كان كلا الطرفين فيهما مرتفعاً في هذه السمة نتائج مشتركة أسوأ من الأزواج الآخرين ،رغم أنهم كانوا أكثر رضا عن نتائجهم. فقد وضعوا أهدافاً أقل وطالبوا بقيمة أقل لأنفسهم حرصاً على الحفاظ على العلاقة مع الطرف الآخر.


ثالثاً :الضمير الحي


-يُعد الضمير الحي مقياساً للانضباط الذاتي والتنظيم والدقة والشعور بالمسؤولية والدافع للإنجاز. وقد يبدو أنه سمة الشخصية الأكثر ارتباطاً بالأداء العالي في التفاوض. فالمختصون يؤكدون دائماً أنه لا توجد طريقة أفضل لتحسين نتائجك من التحضير الجيد للتفاوض.


-في دراستهم عام 1998، لم يجد باري وفريدمان علاقة واضحة بين الضمير الحي وأداء التفاوض، لكن قد يكون السبب أن المشاركين الأكثر ضميراً في الدراسة لم يحصلوا على فرصة أكبر للتحضير مقارنة بغيرهم. وعلى العكس من ذلك، وجدت دراسة أجريت عام 1991 أن الضمير الحي يتنبأ بالأداء الوظيفي العام أكثر من أي من السمات الخمس الأخرى. لذلك، ورغم عدم وجود إجابة حاسمة للسؤال الثالث في مجال التفاوض، فمن المعقول أن تكون الإجابة “صحيح”.


-وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص أكثر ضميراً بطبيعتهم من غيرهم، فإن الخبر الجيد هو أن معظمنا يستطيع التصرف بقدر أكبر من الضمير في التفاوض من خلال تخصيص وقت أكبر للتحضير وتحسين مهارات التنظيم.


رابعاً :العصابية


-تشير العصابية إلى مستوى القلق والاكتئاب والتوتر وعدم الأمان لدى الفرد. وقد أدى الأشخاص الذين سجلوا درجات عالية في العصابية أداءً مشابهاً لغيرهم في دراسة باري وفريدمان؛ لذلك تبدو الإجابة عن السؤال الرابع “خطأ”. ومع ذلك، وجد إلفنباين وزملاؤها في دراسة عام 2008 أن الأشخاص ذوي العصابية العالية ينظرون إلى تجربة التفاوض بشكل أكثر سلبية بعد انتهائها.


-وبشكل مرتبط، وجد باحثون أن المفاوضين الذين لديهم قلق كبير بشأن الحفاظ على صورتهم الاجتماعية أو ما يسمى “السمعة” يخلقون قيمة مشتركة أقل ويصلون إلى طرق مسدودة أكثر في المفاوضات التي تهدد شعورهم بالذات.


خامساً :الانفتاح


-لا ينبغي الخلط بين الانفتاح كصفة شخصية وبين الاستعداد لمشاركة الأفكار والمشاعر. فالانفتاح في إطار السمات الخمس الكبرى يشير إلى الخيال وسعة الأفق والتفكير المتميز أي القدرة على توليد حلول إبداعية من خلال استكشاف مجموعة واسعة من الأفكار. ويُعد الأشخاص الذين يسجلون درجات عالية في الانفتاح فضوليين فكرياً ومستعدين للنظر في الأفكار الجديدة.


-ليس من المستغرب أن المفاوضين الذين يتمتعون بدرجة عالية من الانفتاح ساهموا في تحقيق مكاسب مشتركة أكبر في مفاوضة تكاملية في دراسة باري وفريدمان، رغم أنهم لم يحققوا أداءً أفضل في مفاوضة تقوم على تقسيم القيمة. وقد يكون هؤلاء المفاوضون المبدعون أكثر قدرة على اكتشاف فرص المقايضة التي تخلق قيمة للطرفين. ولذلك يمكن القول إن الإجابة عن السؤال الخامس هي “صحيح”: فالشخصية الإبداعية يمكن أن تقودك بعيداً في التفاوض.


لماذا قد يتوافق المفاوضون غير المتوافقين مع بعضهم


-في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Journal of Applied Psychology، قام الباحثون بقياس مستويات التوافق والانبساط لدى المفاوضين ثم درسوا كيفية تفاوضهم عبر الإنترنت مع أشخاص يشبهونهم أو يختلفون عنهم في هذه الصفات.


-وأظهرت النتائج أنه عندما كان كلا المفاوضين في الزوج الواحد مرتفعين أو منخفضين في هذه الصفات (أي كلاهما متوافقان جداً أو غير متوافقين جداً أو انطوائيان جداً أو منفتحان جداً)، أصبحت تفاعلاتهم العاطفية أكثر إيجابية مقارنة بالحالات التي كان فيها الطرفان مختلفين في هذه الصفات. ونتيجة لذلك، توصلت الأزواج المتشابهة إلى اتفاقات بسرعة أكبر، وشعرت بقدر أقل من الصراع في العلاقة، وكونت انطباعات أكثر إيجابية عن بعضها البعض. ومع ذلك، لم تحقق هذه الأزواج نتائج أكثر عدالة من الأزواج غير المتشابهة.


-ومن المثير للاهتمام أن الأزواج من المفاوضين غير المتوافقين بدا أنهم ينسجمون مع بعضهم أكثر من الأزواج المتوافقين. وقد يكون أحد الأسباب أن التفاوض مع شخص يشبه سلوكنا يجعلنا نركز على التشابه بيننا بدلاً من التركيز على الصفات السلبية المحتملة لديه.


خلاصة الأمر:السمات الخمس الكبرى للشخصية تعد إطاراً علمياً مهمّاً لفهم سلوكيات الأفراد في مواقف التفاوض، وتؤثر بشكل مباشر على كيفية إدارة المفاوض للمواقف الضاغطة، وبناء العلاقات ،والوصول إلى اتفاقيات ومفاوضات ناجحة..

مامدى أهمية الشخصية في التفاوض | Diplomasi