تعذّر التوصل إلى اتفاقٍ ثنائيّ الحزبين في مفاوضات الهجرة
*تعذّر التوصل إلى اتفاقٍ ثنائيّ الحزبين في مفاوضات الهجرة عام 2017* :غالباً ما يكون الاتفاق بين الحزبين ضرورياً لكي يحقق المسؤولون المنتخبون أهدافهم السياسية. ف

*تعذّر التوصل إلى اتفاقٍ ثنائيّ الحزبين في مفاوضات الهجرة عام 2017*
:غالباً ما يكون الاتفاق بين الحزبين ضرورياً لكي يحقق المسؤولون المنتخبون أهدافهم السياسية. في عام 2017، أبرزت مفاوضات البيت الأبيض حول الهجرة صعوبة الحصول على تأييدٍ من الحزبين. ففي 5 أيلول/سبتمبر 2017، أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه سيبدأ إنهاء برنامج *الإجراء المؤجّل للقادمين في الطفولة* (DACA) خلال ستة أشهر. وكانت هذه السياسة، التي أُقرّت في عهد أوباما، تحمي نحو 800 ألف شخص جرى إدخالهم إلى الولايات المتحدة بصورة غير قانونية وهم أطفال من الترحيل. وبعد هذا الإعلان، واجه أعضاء الكونغرس الساعون إلى حماية دائمة لهؤلاء «الحالمين» مهلة نهائية في 5 آذار/مارس 2018 لإقرار قانون هجرة. وكان الوفاء بهذه المهلة يتطلب توحّد المشرّعين عبر الخطوط الحزبية وصياغة اتفاقٍ ثنائيّ الحزبين.
-انطلقت المحادثات مطلع عام 2018 بعد أن منح ترامب موافقته على مفاوضاتٍ ثنائية. وفي 9 كانون الثاني/يناير، عقد الرئيس اجتماعاً في البيت الأبيض ضمّ 25 عضواً ديمقراطيّاً وجمهوريّاً من الكونغرس ناشطين في ملف الهجرة، إضافة إلى وزيرة الأمن الداخلي آنذاك كيرستن نيلسن.
-عادةً ما يسمح الرؤساء لوسائل الإعلام بحضور الدقائق الأولى من مثل هذه الاجتماعات «لتسجيل المجاملات التقليدية قبل إخراجهم»، كما كتب بيتر بيكر في *نيويورك تايمز*. لكن ترامب، هذه المرة، أبقى الإعلام داخل القاعة وسُجّلت الساعة الأولى من الجلسة.
-وقد أتاح الاجتماع المُذاع على التلفزيون والإنترنت للجمهور لمحة نادرة عن صناعة الصفقات في واشنطن. كما أتاح لترامب أن يبدو رئاسيّاً ومنح الحالمين وأنصارهم أملاً بقرب التوصل إلى صفقة هجرة. غير أنّه بعد يومين فقط، وفي اجتماعٍ خاص، انتقل ترامب من التعاون إلى المواجهة،وانهارت الصفقة. ويمكن للمفاوضين أن يتعلموا الكثير من مثل هذه الإخفاقات.
-في اجتماع 9 كانون الثاني/يناير، دعا ترامب المشرّعين إلى مناقشة القضايا المتعلقة بالهجرة التي ينبغي إدراجها في الصفقة. وكانت قضايا ساخنة،مثل مسار الحصول على الجنسية لنحو 11 مليون مهاجر غير موثّق في الولايات المتحدة، وأمن الحدود، وقواعد العمال الأجانب،وقد عطّلت محاولات سابقة لإصلاح الهجرة وسيكون التفاوض حولها صعباً.
-اتّفق معظم المشرّعين بأن يقتصر المشروع على ثلاث قضايا: (1) حماية الحالمين؛ (2) تعزيز أمن الحدود، بما في ذلك وعد ترامب الانتخابي ببناء جدار على الحدود مع المكسيك؛ و(3) تقليص الهجرة القائمة على الروابط العائلية، المعروفة أحياناً بـ«الهجرة التسلسلية». كان نطاق القضايا ضيقاً، لكن إدراج مسائل محلّ خلاف يتيح للديمقراطيين والجمهوريين فرصاً لمقايضات شمولية.
-قال السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المؤيد لمسارٍ نحو الجنسية لغير الموثّقين، إنه يوافق على القرار «الذكي لكن الصعب» بتأجيل إصلاحٍ شامل للهجرة.
-وقال ترامب: «إذا فعلنا المشروع الصحيح هنا، فلن نكون بعيدين جدًا عن ذلك… وإذا أردتم المضيّ خطوةً أبعد، لا يهمّني. سأتلقى الضغوط».
كانت هذه الانفتاحية مفاجئة قياساً بخطاب ترامب المناهض للهجرة خلال حملته. كما خفّف من مطالبته بجدارٍ كامل، ملاحظاً أن أجزاء من الحدود تتمتع بحواجز طبيعية.
-وقال ترامب للمشرّعين إنه يثق بهم للتوصل إلى اتفاقٍ جيد بين الحزبين: «عندما تعود هذه المجموعة باتفاق سأوقّعه. لن أقول: أريد هذا أو ذاك. سأوقّعه. لديّ ثقة كبيرة في من في هذه الغرفة».
*التصويب إلى القمر*
-قدّمت السناتورة الديمقراطية ديان فاينستاين اقتراحاً جريئاً: «ما رأيك بمشروع نظيف لـDACA الآن، مع التزام بالدخول في إصلاحٍ شامل للهجرة؟» أي مشروع بقضيةٍ واحدة يُفضّلها الديمقراطيون وهي حماية الحالمين من دون قضايا تمنح الجمهوريين تنازلات، مثل أمن الحدود.
-أجاب ترامب: «لا مشكلة لديّ. سنفعل DACA، ثم نبدأ فوراً بالمرحلة الثانية، وهي الإصلاح الشامل».
-سألته فاينستاين: «هل توافق على ذلك؟»
-قال ترامب: «نعم، أودّ فعل ذلك».
-تدخّل كيفن مكارثي، حليف ترامب الجمهوري: «سيدي الرئيس، عليك أن تكون واضحاً… يجب أن يكون هناك أمن…».
-قال ترامب عن فاينستاين: «أعتقد أن هذا ما تقوله».
-ردّ مكارثي: «أظنها تقول شيئاً مختلفاً. أعتقد أنك تقول DACA من دون أمن… هل تتحدثين عن الأمن أيضاً؟»
-اقترحت فاينستاين تأجيل ملف الأمن. وأعاد مكارثي تأكيد دعمه لمحادثات ثلاثية حول DACA وأمن الحدود والهجرة التسلسلية.
-سألت فاينستاين: «هل تعتقد حقاً أنه يمكن الاتفاق على هذه الموضوعات الثلاثة الصعبة في الوقت المناسب لإقرار DACA؟»
-أجاب مكارثي: «نعم… لم نكن بهذا القرب منذ سنوات… أعتقد أننا سنصل».
-لم تُلحّ فاينستاين أكثر. كما أضاف ترامب قضية رابعة، مجادلاً بأن «يانصيب البطاقة الخضراء» العشوائي ينبغي استبداله بنظام قائم على الجدارة.
*صفقة «ممتازة»*
-عندما صرف ترامب الإعلام بعد ساعة، بدا رئاسيّاً ومنفتحاً على التسوية. واصل ترامب هذا النهج بعد إغلاق الأبواب، مما ترك كثيراً من المشرّعين متفائلين. وقال السناتور جون ثون: «هناك مسار إلى الأمام».
-انفصلت «عصابة الستة» في مجلس الشيوخ..وهي مجموعة عمل ثنائية..لصياغة اتفاق. وبعد يومين، توصّلوا إلى «اتفاقٍ مبدئي»: مسار مدته 12 عاماً لمواطنة الحالمين؛ عدم أهلية والديهم؛ 2.7 مليار دولار لأمن الحدود بما فيها 1.6 مليار للجدار؛ واستبدال يانصيب 50 ألف تأشيرة بنظام جدارة. وأبلغ ديك دوربين ترامب الذي أثنى ودعاهم للقاء. قال جيف فليك: «كل شيء رائع».
*تغيّر المزاج*
-فوجئ دوربين وغراهام بحضور متشددين في المكتب البيضاوي بدعوةٍ في اللحظة الأخيرة من مستشاري ترامب. تراجع ترامب ورفض الصفقة لعدم كفاية تمويل الجدار، وأدلى بتصريحات مهينة عن دولٍ أفريقية. كان الاجتماع قصيراً. غادر غراهام ودوربين مصدومين.
-انهارت المفاوضات. منعت محاكم إنهاء DACA، وأعادت المحكمة العليا البرنامج، ثم أعاد بايدن تفعيله بأمرٍ تنفيذي.
*خمسة دروس من انهيار الاتفاق*
أولاً-التفاوض على نطاق القضايا: كثرة القضايا تخلق فرص مقايضة، لكن في قضايا مثيرة للجدل ومهل ضيقة قد يلزم تضييق النطاق.
ثانياً-موازنة العلنية: التفاوض علناً قد يزيد التنافس أو يعزّز التعاون بحسب الحوافز.
ثالثاً-التصويب عالياً: الطلب الكبير يمكن أن يعمل كمرساة تسحب النقاش باتجاهك.
رابعاً-توقّع نفوذ المستشارين: تفاوض معهم مباشرة لكسب دعمهم أو تقليل تأثيرهم.
خامساً-تشكيل مجموعة تمثيلية: يجب أن تضمّ اللجنة كل الأطياف لتفادي إحباط الصفقة.
خلاصة الأمر: نتعلم من تعذر الاتفاق بشأن الهجرة..أن الهجرة لا يمكن إدارتها بشكل منفرد.وأن أي نجاح يتطلب موازنة دقيقة بين الاعتبارات الإنسانية ..والحقوقية والسيادية للدول.
******************************************************************************