تخطي إلى المحتوى
العودة إلى المقالات

القيادة الأخلاقية

القيادة الأخلاقية: المخاطر الخفيّة لمعايير التسامح -لا تشمل القيادة الأخلاقيّة تقديم القدوة الحسنة فقط، بل أيضًا تتوقّع الكيفية التي قد تؤدّي بها المعايير والسي

القيادة الأخلاقية

القيادة الأخلاقية: المخاطر الخفيّة لمعايير التسامح


-لا تشمل القيادة الأخلاقيّة تقديم القدوة الحسنة فقط، بل أيضًا تتوقّع الكيفية التي قد تؤدّي بها المعايير والسياسات إلى تدهور أخلاقيات الموظّفين. في عام 2022، وافقت شركة التدقيق إرنست آند يونغ (المعروفة الآن باسم EY) على دفع غرامة قدرها 100 مليون دولار فرضتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بعد ضبط عدد كبير من مهنيي التدقيق لديها وهم يغشّون في اختبارات المحاسب القانوني المعتمد (CPA). وبعد عامين، وافق الفرع الهولندي لإحدى شركات التدقيق الأمريكية الأربع الكبرى الأخرى، KPMG، على دفع غرامة قدرها 25 مليون دولار بسبب حالات غش مماثلة من مدقّقيها.


-مثل العديد من المؤسسات في مختلف الصناعات، تستثمر شركات التدقيق موارد كبيرة لتشجيع موظفيها على الالتزام بالسلوك الأخلاقي في العمل. ويُعدّ تحفيز الموظّفين للوفاء بالمعايير الأخلاقية العالية للمنظّمة عنصراً أساسيّاً في القيادة الأخلاقية. وفيما يتعلق بالمدقّقين، يعتمد عملاؤهم والسوق بشكل عام عليهم في تدقيق البيانات المالية بدقّة ونزاهة.


-فلماذا لجأ هذا العدد الكبير من المدقّقين الجدد إلى الغش في اختباراتهم؟ من المفارقة أن بعض المعايير التي يضعها قادة المؤسّسات ربّما كان لها أثر غير مقصود في تعزيز السلوك غير الأخلاقيّ، كما يكتب جيفري إس. بيدنار وزملاؤه في بحث جديد نُشر في مجلة أخلاقيات الأعمال.


معايير التسامح ومفهوم الأهميّة النسبيّة:


-كما يعلم أيُّ قائد، من غير الواقعي التوقّع بأن يؤدّي الموظّفون مهامهم بإتقان كامل في جميع الأوقات. لكن ما هو معدّل الخطأ المقبول؟ في العديد من الصناعات، يتم تحديد معايير تسامح لتحديد هامش خطأ مقبول أو انحرافات عن معيار معين، كما يشير بيدنار وفريقه. تهدف هذه المعايير إلى ضمان عدم تضرّر المستخدمين النهائيين من المنتجات أو الخدمات التي يعتمدون عليها. وهي شائعة في الصناعات التي يعتمد فيها الناس على جودة أو صحّة أو سلامة الخدمات والسلع المقدمة مثل عمليات التدقيق التي تقدمها شركات الخدمات المالية أو النتائج التي يبلّغها الأطباء لمرضاهم.


-نظراً لتعقيد الشركات الكبرى وبياناتها الماليّة، فمن غير المعقول توقّعُ أن يضمن المدقّقون أن القوائم الماليّة دقيقة بنسبة 100%. لذلك، قبل مراجعة القوائم المالية للعميل، يحدد المدقّقون عادة معيار تسامح يُعرف في المجال باسم “الأهمية النسبية”. تحدّد الأهمية النسبية إرشادات للأخطاء غير الجوهريّة، أي تلك التي لن تؤثّر سلباً في أحكام وقرارات مستخدمي القوائم المالية.


-وقبل بدء عملهم، يحدد المدّققون حدّاً ماليّاً للأهميّة النسبيّة: “المبلغ الذي يعتقد المدقّقون أنه سيكون كبيراً بما يكفي للتأثير في أحكام مستخدمي القوائم المالية، وفقًا لبيدنار وزملائه. يُدرَّب المدقّقون على العمل بانتظام وفق معيار تسامح، وعلى تقبّل الأخطاء التي تقع دون الحدّ المحدد.


الجانب الأخلاقي السلبي لمعايير التسامح:


-رغم أن لمعايير التسامح مثل الأهميّة النسبية هدفاً واضحاً ومهمّاً، فقد يكون لها جانب سلبيّ خفيّ، كما افترض فريق البحث: إذا شُجِّع الموظفون على اعتبار أنّ الانحرافات عن المعيار غير مهمّة، فقد يبدأون في “فصل معاييرهم الأخلاقية الداخلية وتبرير أفعال صغيرة من عدم الأمانة بوصفها غير جوهرية أو تافهة.


- ففي تجربتين مخبريتين ودراسة ميدانية، وجد الباحثون أن معايير التسامح دفعت المشاركين إلى الابتعاد عن المعايير الأخلاقيّة المقبولة و إلى التصرف بعدم أمانة.


-في إحدى التجارب، أتمّ طلاب كليّة إدارة الأعمال مهمّة بسيطة لمراقبة الجودة. تدرّب بعضهم على تنفيذ المهمّة باستخدام معيار تسامح؛ بينما أدّاها آخرون دون هذا المعيار. بعد انتهاء المهمة، كان الذين تدربوا على معيار التسامح أكثر قبولاً لعبارات أخلاقيّة مشكوك فيها وأكثر استعداداً للكذب بشأن آخر وهو مدى استعدادهم لواجب دراسي..مقارنة بالطلّاب الذين لم يستخدموا معيار التسامح. و في تجربة أخرى، كان المشاركون عبر الإنترنت أكثر ميلًا للكذب وتخفيف معاييرهم الأخلاقية عندما أتمّوا مهمّة مراقبة الجودة باستخدام معيار تسامح مقارنة بمن أدّوها دون هذا المعيار.


-أما في الدراسة الميدانيّة، فقد استقطب الباحثون مشاركين لديهم خلفية محاسبيّة: 129 مدقّقاً مهنيّاً و101 مهني محاسبة غير مدقّقين. طُلب منهم تنفيذ مهمّة رمي قطعة نقدية توفّر حوافز وفرصاً للغشّ (من دون علمهم أن الباحثين قادرون على كشف أيّ غشّ).


-المدقّقون يعملون بانتظام وفق معايير تسامح، بينما لا يفعل غير المدقّقين ذلك. فهل أدى الاستخدام المنتظم لمعايير التسامح إلى تآكل أخلاقيات المدققين؟

-تشير الأدلّة إلى احتمال ذلك. فعندما جرى تذكير المدقّقين بدورهم الوظيفيّ قبل تنفيذ المهمّة، كانوا أكثر احتمالاً للغش مقارنةً بما إذا جرى تذكيرهم بأنشطة ترفيهية ممّا يشير إلى أن عملهم قد يضعهم في إطار ذهنيّ أقل أخلاقيّة. بالإضافة إلى ذلك، كان غير المدقّقين أقل ميلاً للغش في مهمّة رمي القطعة النقدية مقارنة بالمدقّقين.


القيادة الأخلاقيّة ومعايير التسامح:


-ليست معايير التسامح غير أخلاقية بطبيعتها، وهي تؤدّي وظيفة مفيدة؛ إلا أن نتائج هذا البحث تشير إلى أنها قد تأتي بنتائج عكسية في ظروف معيّنة، من خلال دفع المهنيين إلى تبرير وتقبّل الانحرافات الأخلاقيّة في قرارات أخلاقيّة غير مرتبطة، كما يخلص الباحثون.


-فما العمل؟ استناداً إلى أبحاث تُظهر أن “عقلية الوقاية” يمكن أن تحمي أخلاقيات الأفراد من التدهور، يقترح الباحثون إعادة صياغة مفهوم أخطاء التسامح. فعلى سبيل المثال، يمكن للقيادة الأخلاقية أن تشجع الموظفين على منع الأخطاء ذات العواقب لأنها قد تكون ضارّة بدلاً من تشجيعهم على “السماح بالأخطاء الصغيرة لأنها غير مهمّة.


خلاصة الأمر:

 يذكّرنا البحث بأن السلوك غير الأخلاقيّ غالباً ما يكون لا واعياً وغير مقصود. وتتطلّب القيادة الأخلاقيّة إدراك أن المخاطر الأخلاقيّة غالباً ما تكون خفيّة، ويجب توقّعها والاحتياط منها باستمرار...والتذكير بعواقب الأخطاء بدلاً من التسامح مع الأخطاء الصغيرة واعتبارها غير مهمّة.

القيادة الأخلاقية | Diplomasi