استخدام مبدأ الارتساء لتقديم عروض أوليّة مؤثرة
استخدام مبدأ الارتساء لتقديم عروض أوليّة مؤثرة تشير أبحاث جديدة حول مبدأ الارتساء، ودقة العروض، وما يُعرف بـ “الارتساء الوهمي”، إلى طرق تساعدنا على بدء المفاوضا

استخدام مبدأ الارتساء لتقديم عروض أوليّة مؤثرة
تشير أبحاث جديدة حول مبدأ الارتساء، ودقة العروض، وما يُعرف بـ “الارتساء الوهمي”، إلى طرق تساعدنا على بدء المفاوضات بشكل صحيح. ففي التفاوض، غالباً ما يحقق الشخص الذي يقدم العرض الأول ميّزة، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالسعر. لماذا تكون العروض الأولى مؤثّرة إلى هذا الحد؟
-في أبحاثهما الرائدة في سبعينيات القرن الماضي، وجد عالما النفس دانيال كانيمان وآموس تفيرسكي أن الناس عندما يصدرون أحكاماً في ظروف من عدم اليقين يميلون إلى الاعتماد بشدة على أول رقم يتم طرحه في المحادثة ، ولو كان هذا الرقم عشوائياً أو مبالغاً فيه. ويُعرف هذا الميل باسم مبدأ الارتساء، وهو يبرز أهمية صياغة العرض الأول بعناية. وقد كشفت الدراسات البحثية عن بعض الطرق المفاجئة الفعالية لاستخدام هذا التأثير النفسي القوي.
ما مدى الدقّة التي ينبغي أن يكون عليها العرض؟
عند تقديم عرض افتتاحيّ في التفاوض، ينصبّ تركيزنا عادة على مدى ارتفاعه أو انخفاضه: هل يكون سعر بيع منزلنا 350,000 دولار، أم ربما 360,000 دولار؟ أما دقة العرض ،فهي مثلاً إذا كان السعر 350,000 دولار أو 349,900 دولار أو 349,999 دولار فغالباً ما تكون فكرة ثانوية.
-كلما قل عدد الأصفار في نهاية العرض السعري، زادت دقته. وبشكل عام، كلما كان العرض أكثر دقة كان ارتساؤه أقوى، كما وجد الباحثون. فالعروض الدقيقة توحي بأن لديك فهماً واضحاً لقيمة السلعة وأنّك قد تكون غير مرن في السعر. وغالباً ما يتراجع الطرف الآخر تبعاً لذلك.
-لكن هناك نقطة مهمّة. إذ تكتب الباحثة أليس ج. لي وزملاؤها أنّ “الدراسات السابقة التي أظهرت ميّزة الدقة كانت تفترض أن الأطراف المعنية قد قررت بالفعل الدخول في التفاوض”. أما في كثير من المفاوضات الواقعية، فإن “العروض الأولى تُطرح قبل أن يبدأ الطرفان فعليّاً في التفاوض”، كما يحدث عند بيع المنازل أو السيارات المستعملة.
-وفي أبحاثهم، وجد فريق لي أن العروض شديدة الدقّة في مثل هذه الحالات قد تخيف المفاوضين المحتملين لأنها توحي بعدم المرونة. وأظهرت بيانات من شركة العقارات Redfin أن كلّما كان سعر عرض العقار أكثر دقة، زادت احتمالية أن يضطر البائع إلى إعادة طرح العقار بسعر أقل بسبب ضعف الاهتمام.
-لذلك قد يكون العرض الأول ذو الرقم المستدير أكثر قدرة على جذب المشترين. لكن بعد بدء التفاوض فعلياً، قد تستفيد بسبب تأثير الارتساء من تقديم عروض مضادة أكثر دقّة.
هل ينبغي استخدام “ارتساء وهمي”؟
هناك عامل آخر يجب مراعاته عند استخدام مبدأ الارتساء، وهو ما إذا كنت ستستخدم ما يسمى بالارتساء الوهمي أي ذكر رقم لا يمثل عرضك الحقيقي.
مثال على ذلك من بائع سيارة:
“كنت أنوي طلب 8,000 دولار مقابل السيارة، لكن يمكنني أن أبيعها لك مقابل 6,500 دولار.”
فالرقم 8,000 دولار هنا ليس عرضاً فعليّاً، لكنه قد يحمل تأثير العرض الحقيقي.
-في أبحاثهما، وجد الباحثان نازلي بهاتيا وبراين سي. جونيا أن إرفاق العرض بارتساء وهمي قد يمنح ميزة في التفاوض. ففي عدة تجارب، حقّق المفاوضون الذين قدموا عرضهم مقارنة بارتساء وهمي (مثل عرض 10,000 دولار بدلاً من 11,000 دولار لشراء سيارة) نتائج أفضل من المفاوضين الذين قدموا العرض نفسه (10,000 دولار) دون الإشارة إلى ارتساء وهميّ. وعلى الرغم من أن الرقم الوهميّ ليس جزءاً من الصفقة الفعليّة، فإنه يسحب توقعات الطرف الآخر في اتجاهه.
-لكن لهذه الفائدة جانب سلبي. فقد رأى المفاوضون أن الأشخاص الذين يستخدمون الارتساء الوهمي أكثر ميلاً إلى التلاعب مقارنة بمن لا يستخدمونه. وقد تؤدي هذه الانطباعات إلى تقليل الثقة وإضعاف فرص خلق قيمة مشتركة.
-وقد تتمكن من تجنّب هذه المشكلة من خلال دعم الارتساء الوهمي بمعيار موضوعيّ. ففي تجربة أخرى، طلب بهاتيا وجونيا من المشاركين أن يتخيلوا أنهم مرشحون لوظيفة، وأخبروهم أن وظائف مشابهة كانت تعلن عن راتب سنوي يقارب 55,000 دولار. ثم قيل للمشاركين في حالة الارتساء الوهمي:
“كنا نخطط لتقديم 55,000 دولار لك، لكن يمكننا تقديم 60,000 دولار.”
أما المشاركون في الحالة الأخرى فقيل لهم ببساطة:
“يمكننا أن نقدم لك 60,000 دولار.”
-وفي هذه الحالة، اعتُبر الارتساء الوهمي أقلّ تلاعباً لكنه ظل فعالاً بالقدر نفسه.
وبشكل عام، وبسبب تأثير الارتساء، فإن الإيحاء بأنك تقدم تنازلاً منذ البداية قد يساعدك في الحصول على صفقة أفضل في التفاوض. لكن من المهمّ أن تضع معاييرك الأخلاقيّة في المقدمة وأن تدرك أن أسلوبك التفاوضي قد يثير شكوك الطرف الآخر.
نصائح إضافية حول مبدأ الارتساء
أولاً:من الذي يجب أن يبدأ؟
إذا كنت واثقاً أنك تعرف أكثر من الطرف الآخر عن قيمة السلعة المعروضة، فمن الحكمة أن تقدم العرض الأول. أما إذا كنت غير متأكد من القيمة الحقيقية للسلعة، فقد يكون من الأفضل أن تدع الطرف الآخر يبدأ.
ثانياً:ما مدى طموح العرض؟
حاول أن يكون عرضك الأوّل حازماً لكن غير مبالغ فيه. ابدأ بتقدير حجم منطقة الاتفاق الممكنة (ZOPA)، أي نطاق التداخل بين العروض التي قد يقبلها الطرفان. ثم قدم عرضاً عند الحدّ الذي يخدم مصلحتك ضمن هذا النطاق.
ثالثاً:ماذا لو قدم الطرف الآخر العرض الأول؟
تجنّب أن تتأثر بشكل مفرط بعرض الطرف الآخر من خلال إبقاء أهدافك وبدائلك الخارجية في مقدّمة تفكيرك. وقد تختار تجاهل نقطة الارتساء التي قدمها الطرف الآخر تماماً وتقديم العرض الذي كنت تنوي طرحه أصلاً باعتباره عرضك المضاد.
خلاصة الأمر:مبدأ الارتقاء هو انحياز معرفي يعتمد فيه العقل على أول معلومة يتلقاها كنقطة مرجعية لتقييم باقي الخيارات ويكون استخدامه لتقديم عروض أولية مؤثّرة توجّه تفكير العميل وتجعل أي سعر أو شرط تقدمه لاحقاً يبدو منطقياً وجذاباً..فهو يكمن في أهمية المبادرة بطرح العرض الأوّل لتوجيه توقعات الطرف الآخر لصالحك.