تخطي إلى المحتوى
العودة إلى المقالات

التحيّز الضمنيّ والصريح: عندما يميّز المفاوضون على أساس العِرق

التحيّز الضمنيّ والصريح: عندما يميّز المفاوضون على أساس العِرق يُمكن لكلٍّ من التحيّز الضمني والصريح أن يضع الأقلّيات العرقية في موقع غير مُنصف على طاولة المفاو

التحيّز الضمنيّ والصريح: عندما يميّز المفاوضون على أساس العِرق

التحيّز الضمنيّ والصريح: عندما يميّز المفاوضون على أساس العِرق


يُمكن لكلٍّ من التحيّز الضمني والصريح أن يضع الأقلّيات العرقية في موقع غير مُنصف على طاولة المفاوضات. إليك ما ينبغي فعله حيال ذلك. التحيّز الضمني والصريح أمران شائعان، وقد برز مثال واضح في 14 يوليو 2015، عندما وافقت شركة أمريكان هوندا فاينانس كوربوريشن (AHFC)، وهي ذراع التمويل الأمريكية لشركة هوندا، على إعادة 24 مليون دولار لمقترضين من الأقلّيات لتسوية تحقيقات فيدرالية. ووفقاً لما أوردته صحيفة لوس أنجلِس تايمز، وُجّهت إلى AHFC اتّهامات بالتمييز العرقي في المفاوضات المتعلّقة بقروض السيارات.


-تركّزت القضية على سياسات التسعير المعمول بها منذ عام 2011 حتى منتصف عام 2015. وبموجب تلك السياسات، سمحت AHFC لوكلاء السيارات حيث يُتفاوض على معظم قروض AHFC برفع أسعار الفائدة التي يحصلون عليها من البنوك والمقرضين الآخرين بما يصل إلى 2.25 نقطة مئوية. عمليّاً هذا يعني أن بإمكان الوكيل رفع عرض فائدة بنسبة 2% إلى 4.25% دون الإفصاح عن الزيادة للمقترض.


-ووفقًا لوزارة العدل الأمريكية، كان لهذه الزيادات التقديرية أثر غير متكافئ. فمقارنةً بالمقترضين البيض الذين لديهم ملفات ائتمانية مماثلة، دفع المقترضون الأمريكيون من أصل إفريقي في المتوسط أكثر من 250 دولاراً إضافية على مدى عمر القرض. ودفع المقترضون من أصول لاتينية أكثر من 200 دولار إضافية، بينما دفع المقترضون من أصول آسيوية وجزر المحيط الهادئ أكثر من 150 دولاراً إضافية.


-ورغم أنها لم تعترف بارتكاب مخالفات، فقد وافقت AHFC، إضافة إلى رد الأموال للمقترضين، على تحديد سقف زيادات الوكلاء إلى 1.25 نقطة مئوية للقروض التي مدّتها خمس سنوات أو أقل، و1 نقطة مئوية للقروض الأطول أجلاً.


-تعكس قصّة هوندا ما توصّل إليه الباحثون في المختبر: فالتمييز الذي تواجهه الأقليات العرقية أحياناً في المجتمع يمكن أن يمتدّ إلى مفاوضاتهم. وقد يكون هذا التمييز صارخاً، كما في حالات التعصّب الصريح والسياسات العنصرية، لكنه غالباً ما يكون دقيقاً ويصعب اكتشافه. ويكمن الفرق بين التحيّز الضمني والصريح في مدى وعي الشخص بتحيّزه. في الواقع، يُظهر البحث النفسي أن المفاوضين الذين يميّزون غالباً ما يفعلون ذلك دون وعي ومن غير إدراك أن تحيّزاتهم الضمنية تضرّ بالآخرين. في هذا المقال، نستعرض ما نعرفه عن التمييز العرقي في التفاوض ونقترح سبلاً لمنعه من التأثير في صفقاتنا سواء كنّا من الأقلية أم الأغلبية.


-التحيز الضمني والصريح في مفاوضات البائع والمشتري:


في بيئات الأعمال، لدى المفاوضين حوافز أخلاقية وقانونية واضحة لمعاملة الجميع على قدم المساواة وتجنّب شبهة العنصرية، ومع ذلك تشير الأبحاث إلى أن الأقلّيات تواجه تمييزاً على طاولة المفاوضات، وتكون عرضة لكلٍّ من التحيّز الضمني والصريح.


في دراسة شهيرة عام 1995، درّب أستاذ جامعة ييل إيان آيرز 36 مشاركاً بعضهم أمريكيون من أصل إفريقي وبعضهم قوقازيون؛ وبعضهم رجال وبعضهم نساء على التفاوض بأسلوب موحّد لشراء سيارة جديدة. ثم قام المشاركون بأكثر من 400 زيارة إلى 200 وكالة سيارات في منطقة شيكاغو وتفاوضوا على سعر الشراء وفق نصٍّ محدّد مسبقاً (من دون علم البائعين). أظهرت النتائج أن وكلاء السيارات قدّموا عروضاً أعلى بكثير للمشترين من أصل إفريقي وللنساء في بداية ونهاية المفاوضات. وافترض آيرز أن الوكلاء كانوا يصنفون الأمريكيين من أصل إفريقي والنساء على أنهم أقل دراية أو مهارة في التفاوض من الرجال البيض، وبالتالي أكثر استعداداً لقبول أسعار أعلى وأقل ميلاً لطلب تنازلات.


-وفي دراسة عام 2015، واجهت الأقلّيات العرقية تمييزاً في مزادات eBay. نشر الباحثون صور بطاقات بيسبول ممسوكة بيد فاتحة البشرة أو داكنة البشرة. بيعت البطاقات التي بدت ممسوكة بيد تعود لشخص أمريكي من أصل إفريقي بأقل بحوالي 20% من تلك التي بدت ممسوكة بيد قوقازية رغم أنّ بطاقات البائع الأمريكي الإفريقي كانت في الواقع أكثر قيمة. وتشير النتائج إلى أن المزايدين لم يكونوا متحيّزين فحسب، بل ربّما توقّعوا أيضاً تحيّز الآخرين.


وبالمثل، في دراسة عام 2015، ميّز مضيفون على موقع Airbnb ضد ضيوف محتملين اعتقدوا أنهم أمريكيون من أصل إفريقي. أرسل باحثون من كلية هارفارد للأعمال رسائل إلى 6400 مضيف بأسماء تشير إلى أن الضيف إمّا إفريقي أمريكي أو قوقازي، مع ملفّات تعريف متطابقة دون صور. كان المضيفون أكثر احتمالاً بنسبة 8% لقبول الطلبات من أصحاب الأسماء القوقازية مقارنة بالأسماء الإفريقية الأمريكية. وباستثناء النساء الإفريقيات الأمريكيات اللاتي لم يميّزن ضد نساء إفريقيات أخريات، ميّز كلٌّ من المضيفين القوقازيين والأفارقة الأمريكيين ضد الأمريكيين من أصل إفريقي.


-“التحيز العادي” والتحيز الصريح:


في بعض الحالات، قد يعاني أفراد من الأقلّيات في المفاوضات بسبب تعاملهم مع أشخاص يحملون عداءً صريحاً تجاههم (تحيّز صريح). لكن الأدلّة تشير إلى أنّ العنصريّة اللاواعية وغير المقصودة هي مصدر أكثر شيوعاً للتمييز (تحيّز ضمني). يسمي علماء النفس هذا النوع “التحيز العادي” لأنه واسع الانتشار وينبع من عمليات التفكير والإدراك اليومية.


-إذا كنت تعتقد أنك بمنأى عن هذا التحيّز، فاختبر نفسك بأحد اختبارات الارتباط الضمني، التي تتطلّب إصدار أحكام سريعة تكشف مواقفنا اللاواعية تجاه فئات مختلفة من الناس. وقد أظهرت نتائج الاختبارات تفضيلاً متكرّراً للبيض وتحاملاً ضد الأقلّيات.


-كما يميل البشر بطبيعتهم إلى تفضيل من يشبهونهم من حيث العرق أو الجنس أو الدين وغير ذلك. وقد يبدو هذا التفضيل بسيطاً، لكنه يضع غير المشابهين في موقف غير متكافئ. وغالباً ما تؤدّي هذه الممارسات من دون نيّة واعية إلى استمرار عدم المساواة.


-التحيّز العرقي في التوظيف والأجور:


رغم أن التمييز العرقي غير قانوني في الولايات المتحدة، فقد كشفت أبحاث عن ممارسات توظيف متحيّزة. في دراسة عام 2004، أرسل باحثون آلاف السير الذاتية بأسماء “بيضاء” أو “إفريقية أمريكية” استجابة لإعلانات وظائف. تلقّت السير الذاتية ذات الأسماء البيضاء مكالمات متابعة أكثر بنسبة 50% من السير الذاتية المتطابقة ذات الأسماء الإفريقية الأمريكية. وكان امتلاك اسم أبيض يعادل ميزة ثماني سنوات إضافية من الخبرة.


-كما تشير الأدلة إلى أنّ الأقلّيات التي تحصل على عروض عمل قد تتقاضى رواتب أقلّ من البيض للوظيفة نفسها. ففي تحليل لأكثر من 3000 مفاوضة فعلية على رواتب ابتدائية، تبيّن أن أعضاء الأقلّيات تفاوضوا على زيادات أقل من نظرائهم البيض.


تقليل التحيز في مفاوضات مؤسستك:


تشير البيانات إلى أن التمييز العرقي لا يزال واسع الانتشار، وإن كان غالباً غير مقصود. ويمكن اتّخاذ خطوات لتعزيز مفاوضات أكثر عدلاً داخل المؤسسات:


1. دعم اتخاذ القرار العقلاني.

  الأحكام السريعة تميل إلى الاعتماد على الصور النمطيّة. لذلك ينبغي منح المفاوضين وقتاً كافياً للتفكير المنطقي وتبرير قراراتهم، وتثقيفهم بشأن التحيّز اللاواعي.


2. مراجعة سياسات التفاوض.

 قد تؤدّي بعض السياسات كما في حالة هوندا إلى نتائج غير عادلة دون قصد. ينبغي تتبّع النتائج غير المرغوبة لتحديد مكامن الخلل.


3. تحسين الوصول إلى المعلومات.

 في دراسة الرواتب، حقّق المتقدّمون من الأقلّيات الذين حصلوا على معلومات من شبكاتهم نتائج أفضل. إتاحة معلومات متساوية للجميع مثل نشر نطاقات الرواتب تعزز العدالة.


4. تشجيع المقارنات المشتركة.

 أظهرت أبحاث أن تقييم المرشحين جنباً إلى جنب يقلّل الاعتماد على الصور النمطية مقارنة بتقييمهم فردياً.


5. زيادة التنوّع.

 التفاعل مع أشخاص مختلفين يقلل الاعتماد على الصور النمطية. ويمكن، مثلاً، إخفاء بيانات الهوية في طلبات التوظيف لتقليل التمييز أثناء الفرز.


خلاصة الأمر:

التحيّز الضمنيّ يشكّل عائقاًخفيّاً لكنه قويّ في المفاوضات حيث يؤثّر على التقييمات والقرارات بشكل غير واع..بينما لايزال التحيّز الصريح يمثّل تحدّياً في سياقات معيّنة ممّا يتطلّب وعياً مستمراً لتقليل آثارهما السلبية.

التحيّز الضمنيّ والصريح: عندما يميّز المفاوضون على أساس الع… | Diplomasi